فى ذكراها الأولى الثورة السودانية أيقونة الثورات بالجمال والتفرد والألهام


الخرطوم-ريناس نيوز-تقرير – منى البشير
عند ساعة الصفر كانت البلاد تتململ من أقصاها لأقصاها ، الشعب السودانى ينام ويصحو على غبن كبير فقد وصلت الحالة الأقتصادية ذروة أزمتها فبينما يموت الأطفال من الجوع والمرض ، وبينما يصرخ الرجال من ذل الحاجة وهم يرون ان كسبهم وكدهم من اول اليوم لآخره لا يكاد يسد الرمق ، وبينما يئن اسفل المدينة تحت وطأة الجوع والمسغبة والتسول ، كان الجانب الآخر من الشعب يعيش فى النعيم الحرام ، الفارهات تعبر الشوارع امام المسحوقين الذين يزحفون بأرجلهم يقطعون الطرقات ولا يجدون ركوبة زهيدة ترميهم امام شوارعهم التى تضج بالفقر والغبار ، فى الجانب الآخر كان سدنة النظام يعيشون فى القصور الفاخرة العامرة بالملذات، لا يكادون يبغون عنها حولا ، بل ويسالون المزيد من جيوب الكادحين. فماذا يفعلون؟ ، تتفتق أذهانهم كل يوم عن حيلة وحيلة يرهقون بها هذا الشعب ويذلونه ليدفع عن يد وهو صاغر والا يسلطون عليه آلتهم العمياء وكلابهم التى لا تعرف الرحمة ، فتارة يبتدعون فرية رفع الدعم وهو اسم الدلع لزيادة الأسعار فيزيدون اسعار المحروقات والخبز مرة ، ثم لأن الشعب صابر لا بأس من مرة أخرى كانت ستتبعها ثالثة ورابعة قبل ان يهب المارد من رقدته ، فى غضون ذلك كانت العملة المحلية تنخفض قيمتها وتنزوى شيئا فشيئا، فى مقابل أرتفاع العملات الأجنبية لاسيما الدولار، البنوك افلست حتى اصبح منظرا مألوفا ان ترى صفوف الشعب امام الصراف الآلى كصفوف الخبز ، شح الوقود ، صفوف السيارات أمام محطات الوقود وبدوره خلق أزمة مواصلات حادة ، صفوف الخبز فى كل البلاد أزمات.. أزمات ، ومع ذلك لم يصمت المسؤول الأنقاذى على خيبته وفساده فى أدارة البلاد اصبح يخرج كل يوم على المواطنين بتصريحات مستفزة بأن ماحاق بالشعب من جوع ومسغبة، إنما بسبب أبتعاده عن الله ، وكأن النعيم الذى يفترشونه لقربهم من الله ، بل خرج الرئيس ليقول للشعب من بين فاصل رقص ان الصحابة (أكلوا صفق الشجر ) فى هذه الأثناء كان بيته مليئا بالعملات المحلية والأجنبية، فى حين احجمت شركات الأدوية عن استيراد الأدوية، واصبح الأطفال يموتون من قلة الأدوية المنقذه للحياة .
فى الفاشر والدمازين كانت الشرارة الأولى :
فى منتصف ديسمبر من العام 2018 خرج نحو 300 طالب من ست مدارس ثانوية بمدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، في غربى السودان ، وقام هؤلاء الطلاب بحرق إطارات قديمة وفروع أشجار وهم يهتفون:” لا للغلاء لا للجوع”.
فتجىء الشرطة وتفرق الجمع بالهراوات والغاز المسيل للدموع ، ذات المشهد يتكرر فى مدينة الدمازين، بولاية النيل الأزرق، في شرق السودان، ولكن على نحو أوسع، حيث تم حرق دار حزب المؤتمر الوطنى ورمزيته الدكتاتوية .
فى 19 ديسمبر 2018 كانت عطبرة فى ولاية نهر النيل، شمالى السودان، على موعد الثورة، فلم تخلفه حيث خرج طلاب المدارس فى تظاهرة كبيرة منددة بالاوضاع الاقتصادية المزرية التى وصل اليها الحال، وتحديدا حين همت الحكومة برفع سعر الرغيفة الواحدة من جنيه الى جنيهين ، وقام الثوار ايضا بحرق دار حزب المؤتمرالوطنى ، السلطات قابلت التظاهرات فى عطبرة بالعنف المفرط والرصاص الحى، حيث استشهد عدد من الطلاب والشباب الذين كانوا ضمن الحراك .
الخرطوم تهب فى جنح الدجى :
لم تكن الخرطوم العاصمة لتغيب عن الزخم الثورى ولم تكن جامعة الخرطوم لتخذل السودان وهى التى خرجت من بواباتها كل ثورات التغيير فى السودان منذ أكتوبر 1964. فى العشر الأواخر من شهر ديسمبر خرج طلاب جامعة الخرطوم فى تظاهرة كبيرة، قوبلت بالغاز المسيل للدموع، حتى ان احد الطلاب فقد كفه، عندما اراد ارجاع عبوة البمبان للعسكر فانفجرت العبوة فى يده وفقد كفه فى الحال ، بعد ذلك اجتاحت الثورة كل احياء العاصمة ، برى ، بحرى ، امدرمان العباسية والموردة والثورات ، الكلاكلات والجريفات ، الحاج يوسف ، كما كانت كل المدن والقرى السودانية على موعد مع الثورة ، كانت ديسمبر ثورة شاملة لم تستثن اى مكان فى السودان .
تجمع المهنيين السودانيين :
عندما انطلقت الشرارة الأولى للثورة كانت عبارة عن حراك عفوى وقوده ودافعه القهر والذل، الذى مارسته الانقاذ على الشعب طيلة الثلاثين عاما الماضية، ولم تكن هناك جهة بعينها يمكن اعتبارها قائدة أو منسقة للحراك، خاصة، وان الشعب السودان كفر بالأحزاب المتخاذلة والتى اطالت عمر الانقاذ كفره بالانقاذ نفسها ، فى هذه الأثناء برز تجمع المهنيين الذى أخذ على عاتقه تنظيم الحراك ونشر بيانات مكتوبة بلغة جزلة وقوية ومحفزة ، كانت الجماهير، كانما كانت تنتظر من يوجهها وبالفعل استجابت للتجمع، واخذت تاتمر بأمره خصوصا فيما يتعلق بسلمية الحراك وعدم اللجوء للعنف والتخريب حتى لا تجد الحكومة المبرر الكافى لتحويل البلاد الى بركة دماء ، وبالفعل ومن خلف الكواليس استلم تجمع المهنيين زمام الأمور ونظم الحراك بدء من التظاهرات والاعتصام أمام بوابة القيادة العامة منذ السادس من ابريل وحتى سقوط النظام فى العاشر من أبريل، وحتى فض الأعتصام فى الثالث من يونيو 2019 . ثم وصل الناس للأضراب والعصيان المدنى الشامل ، وتجمع المهنيين وهو عضو تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير الذي استلم السلطة فى ال17 من أغسطس 2019 بعد مفاوضات ماراثونية مع المجلس العسكري، بوساطة إقليمية، ورعاية دولية، اخذت الكثير من الوقت والشد والجذب .
شعارات الثورة:
كانت شعارات ثورة ديسمبر جميلة وملهمة ومواكبة للأحداث ، كان اقوى شعار على الأطلاق هو شعار :(حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب ). كان شعارا قويا ومعبرا ملأ الحناجر والقلوب فى آن واحد ، وانطلق هادرا فى الطرقات بايمان الثوار بقيم الحرية والسلام والعدالة .
( أى كوز ندوسو دوس )
هذا الشعار وجد حظه من الانتشار والبحث والتحليل ، فعندما يهتف الثوار بصوت مجلجل وقوى ( أى كوز ندوسو دوس مابنخاف مابنخاف ) يموت الكوز فى جلده رعبا ، وعبر هذا الشعار عن كراهية عميقة تحملها هذا الشعب رهقا لجماعة الاسلام السياسى. هذا الشعار تحديدا أرعب الأسلاميين وأخرجهم عن صمتهم ، أنظر الى عضو الحزب البائد الاسلامى والبرلمانى البارز، بروفيسور الأمين دفع الله الذى أبدى استياءه من دمغ الاسلاميين بالفساد بترديد مقولة (الكوز حرامى ) واصفا هذه المقولة بالشائنة، مؤكدا ان الهدف منها التحطيم المعنوي والهزيمة النفسية للإسلاميين، بتثبيت حقيقة أن الإسلاميين (حرامية).
وأتهم دفع الله فى حوار لصحيفة الانتباهة وقتذاك أحزاباً ذات أجندة معروفة بإدخال شعار: (أي كوز ندوسو دوس)، وأشار إلى أنها تعمل على اختطاف الاحتجاجات السلمية، واتهمها بإظهار الحقد الدفين وروح التشفي والكراهية.
فى جانب آخر كتب مبارك أردول، عضو الجبهة الثورية، وقتذاك قائلا : من ناحية أن الشعار إقصائي يسعى للعزل ولا يؤسس ولا يبشر بمرحلة جديدة قوامها احترام الآخر ودولة التعددية والحرية، هذا الرأي صحيح، ولا يجب أن تكون شعاراتنا كذلك، بل هذا الشعار يتناقض مع شعار الثورة الرئيسي، ومع الثورة، نفسها، التي قامت ضد الإقصاء والأحادية.
ومن ناحية ثانية، أرى أن هذا الشعار رغم موقفي الرافض له إلا أنني أجد العذر لمن يرددونه لأنه لم يأتِ من فراغ، بل نتاج رد فعل لشعارات إقصائية يستخدمها بعض الكيزان ضد الشعب السوداني، ومنظماته السياسية والمدنية مثل شعارات ” فلترق منا الدماء أو ترق منهم دماء أو ترق كل الدماء” وأيضاً شعار ” امسح اكسح قشّو ماتجيبه حي ، ويزيد : وعلى اي حال فإنه رد فعل مبرر في الوقت الراهن للقمع الذي يحدث من قبل بعض الكيزان أو باسم الكيزان والدم الذي مازال يراق، مشيرا الى ان ترديد هذا الشعار هو رد على تلك الأقوال والافعال الممارسة يومياً، فلا يجب التحسس والتخوف منه كثيراً كما نسمع.
خالد سلك عضو حزب المؤتمر السودانى، بدوره، انتقد شعار (أى كوز ندوسو دوس ) ووصفه بأنه شعار أقصائى وعنيف .
تسقط بس:
كان شعار تسقط بس هو الشعار الرافض لأى حوار أو تفاوض مع نظام القمع او تنازل عما حققه الشارع من تقدم ، النيويورك تايمز رأت ان شعار تسقط بس اكتسب بعدا وزخما جديدا خاصة بعد اعتصام الثوار أمام مبانى القيادة العامة بداية السادس من ابريل 2019 ، خاصة وان الحكومة بدت عاجزة وخائفة من مآلات الأمور .وشعار تسقط بس لم يقتصر على سودانيى الداخل بل امتد زخمه لكل التظاهرات الداعمة للحراك الداخلى من سودانيى المهجر فى مختلف دول العالم .( تسقط تسقط بس كده بالواضح ما بالدس ) .
أعتصام القيادة العامة :
بعد أن فشلت محاولات الشعب الثائر، فى كل مرة، في الوصول الى القصر الجمهورى، ليسمع الرئيس البشير مطلبه ، قرر الثوار التوجه فى 6 ابريل الى القيادة العامة ، وتمت الدعوة لمليونية ، فى هذه الأثناء كان الرئيس يمارس فعلا انصرافيا وهو الاستقواء حشود الأقاليم مدفوعة القيمة فى مواجهة الحشود العفوية المغبونة والثائرة فى كل أرجاء السودان .
كانت مليونية القيادة كبيرة وحاشدة خرج الناس من كل فج عميق يحجون الى الحرية والانعتاق ، بعدها قرر الثوار الأعتصام أمام بوابة القيادة العامة حتى تتم الاستجابة لمطالبهم واسقاط الحكومة ، وبالفعل احتشد الثوار وكل يوم يزيدون ، كان اعتصام القيادة بحسب مراقبين أعظم حدث فى تاريخ السودان حتى بنهايته المأسوية الدامية فجر التاسع والعشرين من رمضان، الموافق الثالث من يونيو 2019 ، أذ راح ضحية هذا الحادث خيرة شباب السودان الذين كانوا حداة الثورة وحماتها وملهميها .ولذلك لم يعد السودان كما كانه قبل يوم فض الأعتصام اذ ازداد غضب الجماهير وأرغمت العسكر على الاستجابة لمطالب الشعب وتسليم الحكومة للمدنيين فى 17 من أغسطس 2019 فى احتفال مشهود وبحضور اقليمى ودولى .

شارك معنا