العمل الأول للمرأة لايخلو من سيرتها الشخصية : رواية (آماليا): الأدب النسوي على مائدة المنصة الرقمية لمناقشة الروايات السودانية

الدكتورة مواهب ابراهيم: (آماليا) أصوات سردية متعددة ونص مترهل .
البروفيسور عبدالغفار الحسن : حكايا مترعة بالثقافة السودانية، عاداتها البالية وقيمها الجميلة.

ريناس نيوز – رصد ومتابعة – سماح عبدالماجد حسن

أقامت المنصة الرقمية لمناقشة ومدارسة الروايات السودانية في منتداها الافتراضي نصف الشهري، الورشة الافتراضية الرابعة لمناقشة الروايات السودانية و التي خصصت للتداول حول رواية (آماليا) للروائية (مناهل فتحي). ترأس الجلسة الدكتورة مواهب ابراهيم ،المتخصصة في مجالي اللغة العربية وعلم النفس. فيما شارك البروفيسورعبدالغفار الحسن محمد كمعقب أول والناقد عزالدين ميرغني كمعقب ثان . يتابع المنصة مالا يقل عن 1200 مشارك عبر مجموعات الواتساب وحده، وتنقل نشاطاتها باستخدام تطبيق الZoom و على صفحتها بالفيس بوك أيضا . وتحفل المنصة بآراء الكتاب ،الروائيين والمهتمين من داخل السودان وخارجه.
(آماليا) هو الاسم الذي أطلقه خالد عبدالحق على زوجته (غفران)، ليعبر به عن حبه واعجابه. وهو العنوان الذي اختارته الروائية مناهل فتحي لروايتها، فجاء جاذبا مثيرا لتساؤلات القاريء، ناجحا في احالته مباشرة الى الشخصية المحورية. قسمت الرواية الى ثلاثة وعشرين فصلا يتضمن كل فصل أقوال افتتاحية مقتبسة من مقولات لمشاهير الأدباء والشعراء.
تمثل “العناوين” و “العبارات الاستهلالية” جانبا من عتبات النص التي أشارت لها الدكتورة مواهب ابراهيم رئيس الجلسة، في ورقتها بعنوان: (عتبات النص وتحرير الذات في رواية آماليا). وعتبات النص هي الاشارات والعبارات التي تغلف النص من الداخل والخارج ، وتشكل أهمية عظمى في قراءته ، فتكشف عن مفاتنه، كما تشجع المتلقي على الولوج لأعماقه. ويعتبر “الاهداء” احدى هذه العتبات ويأتي موجها (الى كل الكائنات عدا الشجر) أي الى كل المتحررين ، المتمردين على قيود الرجل التي يفرضها على المرأة ، وقيود المجتمع التي تكبل حريتها.
الأدب النسوي الروائي:
ناقشت الرواية بعض القضايا النسوية بكثير من الجرأة ، أبرزها قضية الختان وما يترتب عليه من معاناة اضافة الى الشلوخ ، دق الشفاه و الزار. واستخدمت الكاتبة لغة شعرية عالية عمدت فيها الى تكثيف المعنى في تصوير المشاهد السردية . كما وظفت تقنيات ابطاء السرد في اختزال الزمن ، بسكوتها عن التفاصيل مثل خطوبة “غفران” لتقفز لأول يوم في زواجها قائلة: “كانت ليلتنا شموعا لكن فجرنا دموع……لم أسمع من قبل بعروس تبكي في صباحية زواجها ممن تحب ؟ أخبرتني أنها تذكرت ماحكاه لها والدها عن ردة فعله يوم ولدت له بنت في مجتمع يحفل بالذكور”.
تلتحف الرواية بغطاء الأدب النسوي السوداني ،الذي عبرت عنه الروائية ملكة الدار في روايتها (الفراغ العريض) 1970م. ولمعت فيه أسماء كثيرة من بينهن سلمى الشيخ سلامة،زينب بليل، بثينة خضر ، ملكة الفاضل ، آن الصافي وسارة الجاك وغيرهن ممن عطرن فضاء الرواية. وهو جزء لايتجزأ من الأدب النسوي الروائي العربي ، الذي زاد الاهتمام به في النصف الثاني من القرن العشرين . بسبب الاقصاء الذكوري للمرأة ، في ظل فاعلية بعض الحركات النسوية المطالبة بحقوقها. يسعى الأدب النسوي للكشف عن الجانب الذاتي الخاص بالمرأة. وقد تضيق دائرة الأدب النسوي في حدود ما تكتبه المرأة فقط ، أو تتسع لتشمل التعبير عن همومها ،ذكرا كان الكاتب أم أنثى. هذا ويذهب البعض الى استخدام ذات المصطلح للدلالة على الأدب الموجه للمرأة كقارئة.
تعدد الأصوات السردية:
تواصل الدكتورة مواهب في نقد الرواية قائلة: تميزت الرواية بتعدد الأصوات السردية والحرية في تناوب الرواة، اذ تحكي (غفران) عن طفولتها بنفسها، وتقص الحكايا بصيغة الأنا عن والدها ، ليروي بعدها والدها – بنفسه – تفاصيل زواجه، فيما يظهر صوت والدتها (ثريا) في فصل “الأرملة”. بالاضافة الى صوت (خالد عبد الحق) الشخصية المحورية في الرواية.عانى النص من التشتت والترهل لتناوله للكثير من الموضوعات أبرزها تجارة الأعضاء، في ظل وجود عدد كبير من الشخصيات التي لم تخدم قضية السرد.كما أنها فشلت في خلق الألفة بين الشخصية المحورية الأولى (غفران) والكاتبة ، وأظهرتها – أي غفران- قوية في الدفاع عن حقوق المرأة في بداية الرواية، لتتلاشى شخصيتها شيئا فشيئا مع نهاية الرواية .الأمر الذي ينطبق على (خالد عبدالحق) ،الشخصية المحورية الثانية ، الذي مات منتحرا في نهاية صادمة لاتليق ونبوغه الذي عرف به عند القراء .
الثيمات و التقنيات:
وعقب البروفيسور عبدالغفار الحسن محمد من خلال ورقة ضافية بعنوان (رواية آماليا لمناهل فتحي الثيمات/ التقنيات/ الاشارات الثقافية) قائلا: ركزت الرواية على “ثيمات” أو “أفكار” مشتركة بين الكتابات النسوية السودانية مثل الختان ،الشلوخ ،تفضيل المجتمع للذكر على الأنثى واقصاء الرجل لرأيها في أخص خصوصياتها. عكست لغة الشاعرة ثقافتها الموسوعية في كل شيء الشعر، السرد ، التاريخ الحكم والأمثال ، ثقافة الآخر والثقافة المحلية . اضافة لثقافة عميقة في مجال الطب ومصطلحاته ،ومعرفة بالسياسة وواقعها الفاسد. وتميزت الكاتبة بقدرتها الفائقة على الامساك بخيط السرد والمحافظة عليه لكي لاينفلت الى درك اللغة العادية غير الموحية.
التناص في الرواية:
يظهر التناص في رواية (أماليا) لمناهل فتحي مع ثلاث روايات أخرى تحمل نفس العنوان: أولاها: رواية (أماليا) للروائي الأرجنتيني خوسيه (مارمول)1855م ، اذ تعكس رواية (مارمول) تعاسة المرأة ومعاناتها . فهي تحكي قصة (آماليا) التي توفي والدها في عمر ست سنوات ، وبعد عام من زواجها توفي زوجها، لتلحق به والدتها بعد ثلاثة أشهر. وتتكرر معاناة المرأة في رواية تحمل اسم (فيللا أماليا) للروائي الفرنسي (باسكال كينبارد) وتروي قصة (آن هيدن) التي تكتشف خيانة رفيقها فتقرر التخلي عن عملها وكل ممتلكاتها لتبدأ من الصفر.أما رواية (آماليا) لميرفت البلتاجي 2014م، فتتناول موضوع الاغتراب ، الذي يتناص مع رواية مناهل فتحي في قصة الدكتور “خالد” و”نتاليا” ، والتنازع مابين مهجره روسيا وموطنه السودان.
اعتمدت الكاتبة على ضمير المتكلم ، وهو الضمير الأنسب للمرأة ، لأنه يتيح لها الافصاح عن نفسها. اذ لم يعد الرجل هو المتكلم عنها. كما يظهر الحوار في الرواية لكسر رتابة السرد، حيث تتحول “غفران” بطلة الرواية من ساردة رئيسية الى ساردة مشاركة . و تتعدد الأصوات الروائية ، ولعله مما يعيق عملية التفاعل بينها. فنجد بعض الشخصيات تظهر في بداية الرواية وتختفي في النهاية ومن أمثلة ذلك :- شخصية الجدة “فاطمة” جدة غفران لأبيها،والدتها “ثريا الفاتح” و”الشيخ الهميم” في مسيد جدها ، وتظهر بعض الشخصيات التي يمكن الاستغناء عنها كشخصية “طارق” الحرامي.
الاشارات الثقافية:
ويواصل المعقب الأول في حديثه قائلا: استطاعت الرواية أن تقدم المجتمع السوداني بثقافاته البالية وقيمه الجميلة، وأبرزها الانسان السوداني نفسه . يتجسد ذلك في شخصية (خالد) الذي يرفض الزواج من صديقته الروسية شريطة ترك الوطن والبقاء معها . كما أشارت الكاتبة الى مجموعة من الشخصيات السودانية المهمة في الارث الثقافي السوداني على شاكلة : (الداية،الماشطة،ضاربة الودع والدرويش) ، بالاضافة الى مجموعة الأمثال والأغاني والمواويل السودانية الشعبية. ووصفها لعدد من العادات والتقاليد المرتبطة بالزواج :(كالدلوكة،الضريرة والسيرة) ناهيك عن ألفاظ أخرى مرتبطة بالموت مثل: (الصدقة،الرحمتات،الفاتحة والحبس).
تشويش دون تشويق:
وكانت للناقد عزالدين ميرغني المعقب الثاني في الورشة الافتراضية آراء مغايرة حول الرواية أبرزها : أن أغلب الفصول هي حكاية داخل حكاية تتصل أحيانا وتنفصل في أحيان أخرى دون وجود رابط مشوق يحرك الأحداث نحو الأمام ، مما يجعل الحكايا أكثر تشويشا. والرواية أقرب الى السيرة الذاتية لورود عدد من الأسماء الحقيقية فيها “عطبرة، شندي والهلالية” . مما يؤكد قول بعض النقاد أن العمل الأول وخاصة للمرأة لا يخلو من سيرتها الشخصية . الا أن ذلك لايمنع توظيف الكاتبة لعدة مرجعيات في الرواية كمرجعية الموهبة الشعرية، مرجعية الذاكرة المتمثلة في ذاكرة الجسد والتجربة النسائية ،بالاضافة الى المرجعية الثقافية والمرجعية المهنية، وتجارب الغربة والسفر . ويتوقع أن تكون الأعمال المقبلة جميلة بشرط اضافة الخيال وتماسك النص.
الأشياء الجميلة أكثر ايلاما
تقول الكاتبة: (ان كان انتظار الأمور السيئة مؤلما فانتظار الأشياء الجميلة أكثر ايلاما لأن احتمال ألا تجيء يبقى قائما لايدحضه الا قدومها)، ولكن نجاحها دحض الألم ، اذ تغلبت الروائية (مناهل فتحي) على ألم انتظار الأشياء الجميلة و حازت رواية (آماليا) أولى ابداعاتها على المركز الثالث لجائزة الشارقة للابداع العربي في دورتها رقم (21) للعام 2018م. كما استأثر كتاب (أجمل عشرين قصيدة نسائية في السودان) بخمس من قصائدها. وللكاتبة رواية ثانية بعنوان (شيكونغونيا) ، ومجموعة قصصية تحمل اسم (نهر يختنق). اضافة لديوان شعري باسم (أوجاع النساء) ، وآخر عنوانه (كأنه هو) ، كما نشرت العديد من قصائدها في الصحف السودانية والمجلات الخليجية. ما يجعلها جديرة باهتمام النقاد ، ومحط أنظار القراء، فهنيئا لها.

شارك معنا