سميح القاسم : الخروج من عصر المَناحات إلى المقاومة

بقلم – أبوذر أحمد محمَّد

1⃣

رحل الشاعر الفلسطيني سميح القاسم سنة 2014م ،وقد رأى الشمس في مدينة الزرقاء بالأردن سنة 1939م،وكان يقيم في منطقة “الرامة” من الجليل الغربي المحتل ،المغلق بالسياج الحديدي الشوكيّ،كانت قصائده تخرج من هذا “السلك الشائك ” ،كما كانت تخرج فَتَاوَى شيخ الإسلام بن تيمية من سجن الحَرّة في قلعة دمشق – رغم المفارقة بين القصيدة والفتوى – ولكن المَحبَس هُوَ هُوَ،والمناخ الانهزامي هُوَ هُوَ،وانتظار الناس مِن شُرفة الأمل لفتوى تستقيم معها حياتُهم ،أو قصيدة صادقة تبصِّرهم بواقعهم و تشدُّ مَلكَهم هُوَ هُوَ.
وكانت أُولى ملامح هذا الخروج مِن عصر المناحات هي تسميته المبتَكَرة لِوَلَدِهِ المولود داخل هذا ” السلك الشائك ” وهي تسمية أزعجت الحواجز الإسرائيلية حيث أطلق عليه اسماً مُزدوَجاً مُركَّباً له دلالة قوية ” وطن محمد”!!

2⃣
وسميح القاسم موصوف بـ”هاملت الفلسطيني” وهو وصف استلهمه النُّقَّادُ من سيرة الشاعر الفلسطينيّ الكبير ومن شِعره أيضا.
وهو موصوف – كذلك- بأحَدِ الثنائي الذهبي للشعر الفلسطيني المعاصر محمود درويش وسميح القاسم ،أو سميح القاسم ومحمود درويش،معيدين إلى الذاكرة ثنائيات شعرية اقترنت بالذاكرة العامة أشهرها ثنائية شوقي وحافظ في مصر.
ولكن أهمّ هذه الأوصاف طُرَّاً للشاعر سميح القاسم هي أن النُّقّاد جميعهم ينظرون إليه شاعرا فلسطينياً بارزاً بين أقرانه الشعراء سواءً في الوطن المحتل فلسطين أو في الأقطار العربية كلّها الذين تجاوبوا من البداية مع مايُسمَّى “حركة الشعر الحُرّ” في خمسينيات القرن الماضي.
ولسميح القاسم أعمال شعرية كثيرة منشورة في دواوين بدأت تصدر منذ مايزيد من نصف قرنٍ ولاتزال تصدر ،أو يُعادُ طبعُها إلى يومنا هذا.
وعسى تسمية سميح القاسم بـ”هاملت الفلسطيني” ،تلك التسمية التي أطلقها عليه الشاعر الناقد الكبير “محمد علي شمس الدين”عساها صادرة من شعر قاله سميح القاسم عن نفسه:

“أنا هاملت العربي اشهدوني
أُدَرِّبُ عقلي على أُحجِيات الجُنُونِ
أبي ميِّتٌ لا يموتُ
وأُمّي أُمِّي
ومُلْكِي نهبٌ لِعَمِّي”

هذه الشاعرية الطليقة الخارجة على وزنٍ وقافية هي ذاتُها آيةُ خُرُوجِه من عصر البكائيات والمناحات إلى عصر جديد مشحونٍ بالمقاومة مليء بالعنفوان والمثابرة ،عبَّر عنه خليل حاوي:

ماتت البلوَى ومُتنا مِن سِنينِ
سوفَ نبقى مثلما كانت ليالي الميتينْ
لا اذّكار يُلهِبُ الحسرةَ مِن حينٍ لِحينِ
لافُصُول
سوف نَبقَى خلفَ مَرمَى الشمس الثلج الحزين
مِن فِراقٍ ميِّتِ الآفاقِ صَحرا

3⃣
إنَّ قراءة الدراسات الناقدة عن هؤلاء الشعراء الكبار فيها تثبيتٌ لِثَوَابِتِ الفنّ الشعريِّ حين يكون خارجاً من لظى واقعنا المعطوب سياسيا واقتصاديا وحضاريا سواءاً في الشام المسلوب”فلسطين ،فوضى الحكم والحياة في لبنان ، ضياع الجولان ” ،أو في سواد العراق، أو في المغرب العربي محتدِماً أو في الحجاز ولآلئ الخليج مبعثرة ،أو في اليمن المحروق ،أو في وادي النيل المُرهَق ،كلّ البيت العربي آسيويا كان أو إفريقيّاً مشروخ شرخاً وَدَمَوِيّ.
وإذا كُنَّا قد درسنا في مقالنا السابق بكائيات عبدالوهَّاب البَيَّاتي المقترنة في خيط التاريخ الحافل بالصراعات والدسّ والكيد ،والواقع الآن هو مِن جرَّائه وأثره ،فإنّ سميح القاسم لايقف عند الطلل الدارس ،بل يقاوِمُ هذا الدخان بفوهة قلمه السهم المدفع والبندقية يـُشابِهُ به الشاعرَ الثائر عبدالرحيم محمود :

“سأَحمِلُ رُوحي عَلَى راحَتَيَّ
وَأُلقِي بِها في مهاوِي الرَّدَى
فإمَّا حياةٌ تَسُرُّ الصدِيقَ
وإمَّا مماتٌ يَغِيظُ العِدَى”
بل إنَّ سميح القاسم يتمثَّل روح الشاعر المقاتِل ” عبدالرحيم محمود”،وتطلّ روحه في كلمات سميح القاسم إذ يقول:

“ياحاقدين على انتفاض جراحي
لن تُخمِدُوا بالحقدِ نارَ كِفاحي
أَيَغِيظَكُم مِنِّي التمرُّدُ بعدَ أن
ْ حَزَّتْ وريدي مديَةُ السفَّاح؟
وغَزَتْ عواطِفُكُم بقيَّــةَ مسكَني
ونَزَتْ عليَّ وأطفأتْ مصباحي؟

4⃣
والشيء بالشيء يُذكر ،فإن في السودان الآن تنطلق روحٌ شعرية جديدة تُنشِدُ واقعاً نقديّاً مُغايِراً وجديدا ،بل كاسحا عاصفا ،يتمثّل بعض هذه الروح في (بيت الشعر)تلك الهيئة الإبداعية الجديدة المفترعة من دولة الأمارات إمارة الشارقة ،وقد بدت هذه الروح المنشودة في ملتقى نقد الشعر السوداني- مايو المنصرم- ولكن بيت الشعر يلزمه نوع منهجية مستوعِبة في رؤيته الشعر ،وقراءة متأنِّية تخرج به من قمقم التكنوقراط ومؤسساتية الإبداع إلى رحابته في الدرس الجادّ المتعمّق الآسِر فبهذا يحيا الشعر ويحيا نقدُه ،وهذه العبارة “يحيا الشعر” لاتزال ترنُّ في ذاكرتي منذ التسعينات حين كتب الناقد الكويتي عبدالرزاق البصير مقاله ” ليس بأبي الطيِّب وحده يحيا الشعر ” وكان يروم أن يذكر أباتمّام ربَّ المعاني وصيقلَ الألباب والأذهان ،وأن يحوّل الأضواء المخطوفة بكاريزما المتنبي ،وهي ذات الروح التي نلحظها في اتّجاه بيت الشعر ،ولكنه اتّجاه ينسف صخرا راسخا ليقيم محله كثيبا أهيَلَ من الرمل المتحرك ،وهي روح فيها يأس قد تصل إلى نتيجة عجلى تحكم بأن السودان ليس فيه نقد يرقى!! ،(ولنا مقال عن الشعر السودانيّ ونقده قريبا).

5⃣

سميح القاسم يحاوِرُ حتى سجَّانيه :
مِن كُوَّةِ زِنزَانَتِي الصُّغرَى
أُبصِرُ أشجاراً تبسُمُ لي
وسُطُوحاً يملأها أهلي
ونوافذ تبكي وتُصَلّي
مِن أجلي
مِن كُوّةِ زنزانتي الصغرى
أُبصِرُ زنزانَتَكَ الكُبرَى

6⃣

حُبُّ الوطن كان هو الوقود المُحرِّك لسميح القاسم -كما أبصرنا ذلك عند البياتي- وليس هو كسائر الأوطان ،إنما هو وطن محتلّ كَتب سميحُ القاسم وهو تحت الإقامة الجبرية حكم عليه بها العدوّ الغاصب المحتلّ،كتب قصيدته بعنوان “الرعب”:
حين تغيبُ الشمس،قالوا، أغيبْ
في حجرةٍ مِن وَطنْ!
أُحرِمُ ،قالوا،مِن عِناقِ الهُمومْ
بيني وبين القمر
يُرعِبُهم ،أعلم،بثَّ الضَجَر
بيني وبين النجومْ
يُرعِبُهُم لمسي جُذُوعَ الشجر!

▪▪▪
وفي مَغيبِ الشمسِ قالوا :أغيبْ
في حجرتي ياوطن،
قالوا ،أكون الغريب
وأنت ملءُ البدن
فمَن ترى يحملُ عبرَ الزمن،
في قلبِهِ،وجهَك هذا الحبيب
ومَن مُغَنِّيك…َ مَن؟!
غيري أنا…ياوَطَن؟!

شارك معنا