رواية (الرجل الخراب) تطور في الوعي السردي للعلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب

الروائي عاطف الحاج: تعبث رواية (الرجل الخراب) بمكونات البنية السردية ،لانتاج شبكة سردية مربكة ، لكنها ممتعة.
د. مواهب: تجربة الحداثة في روايات “ساكن” قادرة على الخروج بالرواية السودانية الى آفاق أرحب.
الخرطوم – ريناس نيوز – رصد ومتابعة – سماح عبدالماجد حسن

اختتمت المنصة الرقمية لمناقشة ومدارسة الروايات السودانية ، ورشتها الافتراضية الثالثة حول رواية (الرجل الخراب) للكاتب عبدالعزيز بركة ساكن وذلك في منتداها الافتراضي نصف الشهري . ترأس الجلسة الكاتب الروائي والأستاذ الجامعي الدكتور: عاطف الحاج سعيد فيما شارك أستاذ الأدب والنقد بجامعة وادي النيل البروفيسور عبد الغفار الحسن محمد كمعقب أول ، والدكتورة مواهب ابراهيم المتخصصة في مجالي اللغة العربية وعلم النفس كمعقب ثان . واحتشد الفضاء الاسفيري بآراء متنوعة متخصصة وغير متخصصة من قبل معدي الأوراق والمشاركين داخل البلاد وخارجها.


ابتدر الأستاذ عاطف الحاج سعيد رئيس الجلسة النقاش مستعرضا رواية )الرجل الخراب:(التي تحكي عن “حسني درويش جلال الدين”، شخصية بسيطة غير مثقفة ،متوسطة الاستقامة ومتدينة بدرجة ما . “درويش” كما تقدمه الرواية من مواليد مدينة وادي حلفا شمال السودان لأم مصرية وأب سوداني، توفي والده وهو في المدرسة الابتدائية ، فانتقل مع والدته الى مدينة أسيوط بجنوب مصر. وواجهته تعقيدات كثيرة هناك لأنه أجنبي، ومنذ تلك اللحظة التي صرح فيها مدير المدرسة الابتدائية المصرية بأنه “لا يمكن قبول طالب أجنبي…”، بدأ سؤال الهوية يطرق رأسه بشدة.
درويش يهرب من حياة العدم:
واصل “درويش” دراسته بمصر الى أن تخرج من كلية الصيدلة في جامعة أسيوط وأمضي فترة الامتياز بمستشفى حكومي هناك. انضم في سنواته الجامعية الأولى الى الجماعات الإسلامية ، ولكنه قرر مفارقة درب هذه الجماعات بعد اعتقاله وتعذيبه وتهديده بالخصي من قبل قوات الأمن. وفي أثناء عمله التقى برجل خمسيني مقيم في السويد، فقال له درويش: “أريد أن أذهب أنا أيضاً للسويد…….الحياة هنا تعني العدم …” . عندها شحذ الرجل خياله وحدثه عن الحياة في أوروبا ، ويسر له سبل الاتصال بعصابات الهجرة غير الشرعية، بدعوى أنه “سوف ينسى كل شيء ويعيش كإنسان، حقيقي” .
الخراب يبدأ بالهجرة:
تناول رئيس الجلسة التحولات “الخراب” التي طرأت على شخصية “درويش” قائلا: بدأت تلكم التحولات عندما سلك دروب الهجرة غير الشرعية، اذ وضعته رحلة هجرته في مواجهة مع كثير من التابوهات المقدسة. يكذب ويزور، لتنمو بذرة الخراب بتواصله مع عالمٍ مُخرّب وأشخاص مُخرَبين. وتُسقى البذرة بسؤال الهوية المُلح ، وبالرغبة في الفرار من بلده الذي لا كرامة للإنسان فيه، الى عالم الغرب الذي يحترم الانسان. وعلى كل فان نجاة “درويش” من الموت ،لاتعني طهارته من كثير من الأوحال التي علقت بروحه . استقل “درويش” شاحنة تحمل الخنازير متجهة للنمسا ،برفقة عاهرة تمارس معه الجنس وتحقنه بالعناصر الأولية لزعزعة كثير من مسلماته . ابتداءً من فكرة الخنزير النجس الملعون، وانتهاءا بعمله مخريا لكلاب السيدة “لُوديا شُولز” ، التي تزوج ابنتها “نورا” لينال إقامة وجنسية نمساوية بعدما غير اسمه من “درويش” الى”هاينرش شُولز”.
سرد مربك وممتع
وأخيرا يجمل الأستاذ عاطف ملاحظاته في الآتي: تمثل الرواية في الدرس النقدي، بنية سردية قوامها ثلاث مكونات رئيسة هي الراوي أي الشخص الذي يخبر بالحكاية وما هو الا شخصية يبتدعها الكاتب أو المؤلف، المروي أي الحكاية التي يسردها الراوي ، ثم أخيراً المروي له وهو متلقي الرواية. هذه المكونات الثلاث تحكمها كثير من القوانين التي تنظمها. ويمكننا القول: حاول بركة ساكن في روايته هذه العبث بمكونات هذه البنية السردية وارباك العلائق القائمة بينها، وارباك المتلقي كنتيجة حتمية لذلك. حيث يتداخل الراوي بالكاتب بالشخصيات الثانوية والشخصية الرئيسة لتتشكل بذلك شبكة سردية مربكة ولذيذة يصبح القارئ طرفاً فيها. وأضاف: ان الرواية جنس أدبي حديث نوعا ما قياساً بالأجناس الأدبية الأخرى ، ستتطور تقنياتها ولا يستطيع كائناً من كان أن يضع شروط وقوالب لهذا التطور.
الأنا والآخر في الرواية السودانية:
كما قدم البروفيسور عبد الغفار الحسن المعقب الأول على ورقة رئيس الجلسة مقاربة نقدية بين شخصيتي مصطفى سعيد في (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح ، وحسني درويش في (الرجل الخراب) لبركة ساكن ،اذ يتضح الفرق بين الشخصيتين في التحول في رؤية (الأنا) للآخر الغربي. فالبطل في الرواية الأولى يمثله مصطفى سعيد الشاب السوداني المثقف الذي يذهب إلى الغرب من أجل المعرفة والعلم ، ويدرك اختلافه الثقافي عن الآخر فيعمد الى إبرازهويته الثقافية والحضارية ، ولا يستسلم للهزيمة بالضربة القاضية من (الآخر). فهو يحمل ذكرى الاستعمار والغطرسة الغربية في ذاكرته ، وينوي أن يأخذ بثأره من هذه الأمة التي غزت بلاده ونهبت خيراتها. وفي الختام يكمل فترته المقررة ويعود إلى الوطن محمولا بجناحي الشوق والحنين. وتعبر الرواية عن مرحلة المثاقفة والحوار بين حضارتين متمايزتين هما حضارتي الشرق والغرب.
فيما تتعاقب أحداث رواية بركة ساكن (الرجل الخراب) في مرحلة تالية لمرحلة الطيب صالح ،مرحلة (ما بعد الاستعمار) التي يواكبها جيل مابعد الحداثة. وهو جيل لا يتردد في التنازل عن هويته وتاريخه وقيمه لصالح الآخر، طالما أنه يحقق أحلامه في حياة هنيئة مليئة بالمتعة والرفاهية والاستقرار. نشأ هذا الجيل في ظل فشل الحكومات الوطنية ، التي عجزت عن تحقيق تطلعات الشباب العربي في الحياة وفقا للمعيار الغربي الجاذب ، فأصبحت الهجرة الى الغرب غاية مطمحه ومبتغاه. أما شخصية حسني درويش بطل رواية (الرجل الخراب) في رحلته للغرب فلا تتبنى أي نوايا صدامية مع الآخر، بل انها تمثل كراهية الذات (الأنا) لنفسها، لتاريخها وثقافتها ولوطنها نفسه، ومحاولة استبدال كل ذلك (بالآخر).
ويواصل المعقب الأول في مقارنته بين الشخصيتين قائلا: فالذات عند “درويش” تعاني من التشظي والانهيار و(الخراب) الذي عبر عنه عنوان الرواية. حيث تختفي كل قيم البطل في رحلته الى الغرب ولا تعاود الظهور إلا حينما كبرت ابنته و أحضرت عشيقها إلى المنزل ، لتتحرك نزعة (الشرف وحماية العرض) الشرقية فيه، فتصحو شخصية السوداني الذي ينتمي إلى شمال السودان من جهة أبيه، وإلى صعيد مصر من جهة أمه، تلك الشخصية التي ترى أن العار لا يغسله إلا الدم ، مقررا استدراج عشيق ابنته وقتله!
تطور الوعي السردي في علاقة الشرق بالغرب:
عموما – والحديث على لسان البروفيسور عبدالغفار- يمكننا القول بأن الرواية تشكل تطورا في الوعي السردي ازاء العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب، وتتسم هذه العلاقة بالموضوعية إذ أنها قادرة على رصد عناصر الالتقاء وعناصر الاختلاف بطريقة موضوعية. وهي علاقة ذات طبيعة ثنائية تقوم على التضاد في عدة جوانب (اللغة، الدين ، القيم السياسية، علاقة الرجل والمرأة…) ميز العداء تاريخ هذه العلاقة فترة الحروب الصليبية ، لتتجلى بعدها الروح الاستعلائية للغرب في مرحلة الاستعمار . ثم تأتي مرحلة المثاقفة والتلاقح مع الغرب عن طريق الكتابة والحوار والفكر، فتتراجع المواجهة والمصادمة العنيفة فيحل التأثير والتأثر الثقافي والفكري محلها.
الترتيب الزمني في الخطاب السردي:
وجاء التعقيب الثاني للدكتورة مواهب ابراهيم بعنوان : (آليات التجريب وتحولات الخطاب السردي في رواية الرجل الخراب) وأشارت فيه الى ذاتية الكاتب التي تخترق النظام السردي بظهورها في ثنايا النص وخطابه للقاريء متحدثا عن هموم كتابة الرواية ، والقراءة والنقد والنشر. ولعل هذا الظهور أصبح مبررا ، ومن سمات الرواية الحداثية.
وأضافت: بدأ بركة ساكن خطابه السردي بالحاضر ولكنه تجاوز ذلك بكسر خط الزمن المستقيم الى آخر دائري تتداخل فيه الأزمنة ، لتعود عجلة الأحداث الى الماضي ، فيما يعرف بتقنية الاسترجاع عبر الذكريات “لا بد أن نعود للوراء قليلا أقصد أن يقوم الراوي العليم باخبارنا كيف وصل حسني درويش من أسيوط بصعيد مصر الى مدينة “سالزبورج” بالنمسا…..” . وأشادت بتجربة الحداثة في روايات ساكن ، التي يمكن أن تخرج بالرواية السودانية الى آفاق أرحب.
جدير بالذكر أن منتدى الرواية الافتراضي هو منصة افتراضية ، نشأ بمبادرة من الكاتب الروائي محمد الخير حامد، ويشارك في ادارته الدكتور عاطف الحاج سعيد، والناقد والقاص والكاتب الصحفي الأستاذ أحمد مجذوب الشريفي. ويقوم المنتدى الافتراضي على مناقشة الروايات السودانية في ورشة تعقد مرتين كل شهر. وقد ناقش المنتدى في ورشته الأولى رواية (حديقة بلا سياج) للدكتور صلاح البشير ، تلتها مناقشة رواية (أزمنة الترحال والعودة) لكاتبها الحسن محمد سعيد ونالت الأوراق المقدمة في كل ورشة حظها من الاستعراض ، كما أفسحت المنصة المجال للنقاد والقراء للمشاركة بمداخلاتهم وابداء آرائهم.

شارك معنا