منتدى الرواية الافتراضي يناقش رواية (أزمنة الترحال والعودة) لمؤلفها الحسن محمد سعيد

رصد ومتابعة: سماح عبدالماجد حسن

الروائى عاطف الحاج: تأخر النشر يحرم القاريء من الاطلاع، ويحول دون تطور الأساليب الروائية للكاتب بحجبه للعمل الروائي عن أعين النقاد

د. مواهب: التكثيف في استخدام صيغ التذكر في الرواية، يعكس حرفية الكاتب في توظيف تقنية الاسترجاع

أقامت المنصة الرقمية لمناقشة ومدارسة الروايات السودانية في منتداها الافتراضي نصف الشهري، الورشة الافتراضية الثانية لمناقشة الروايات السودانية و التي خصصت للتداول حول رواية أزمنة الترحال والعودة للكاتب الحسن محمد سعيد.

ترأس الجلسة الكاتب الروائي والأستاذ الجامعي الدكتور: عاطف الحاج سعيد فيم شارك الناقد والقاص والكاتب الصحفي الأستاذ أحمد مجذوب الشريفي كمعقب أول والدكتورة مواهب ابراهيم المتخصصة في مجالي اللغة العربية وعلم النفس كمعقب ثان . وشهد الفضاء الاسفيري نقاشا ثرا شارك فيه عدد مقدر من النقاد، الروائيين والقراء المهتمين بشأن الرواية داخل البلاد وخارجها.

ابتدر الأستاذ عاطف الحاج سعيد رئيس الجلسة النقاش: معرفا بالراوي وبروايته التي لا تشكل نضجه الفكري على اعتبار أنها من أولى كتاباته، وأشاد باحكام الراوي لعقدة الرواية من اللحظة التي أبرز فيها بطل الرواية “معروف” وعيا نقديا باللحظة التاريخية التي يعيشها ، فقد كتب معروف مقالا صحفيا حول فشل الممارسة الديمقراطية في الفترة التي أعقبت ثورة أكتوبر 1964م وامتدت حتى انقلاب 25 مايو 1969م ، ونشر المقال عقب موكب 2 يوليو 1969م.
مثل المقال لحظة فارقة في حياة معروف دفع فيها ثمن وعيه السياسي المناويء للسلطة آنذاك ،عزلة واقصاءا وفصلا من وظيفته العامة بتهمة العمالة ، وكاد أن يسجن لولا تدخل “شعيب” . وسعى الراوي بالحاح مضجر لابراز شخصية “شعيب” على امتداد الرواية مؤكدا على تعلق “معروف” بشعيب واتخاذه مرجعية فكرية وانسانية له، تظل حاضرة في ذهنه في جميع تنقلاته القلقة في دول عديدة ولكن- بشكل لاتبرره الرواية بما يكفي- .
يشعر معروف بأنه مستهدف لذا يقبل أول عرض له خارج السودان ، ليغادر الى نيجيريا مدرسا للأدب العربي في احدى جامعاتها و تمثل مغادرته للسودان انكسارا لحلمه الوطني المشبع باحباطه الشخصي لتتجسد هشاشته النفسية في تعلقه السريع بالموظفة النيجيرية ” كانو” التي استقبلته في المطار ، وهو تعلق لايشبه شخصيته الواعية.
ويتعلق بعدها بالطالبة البريطانية “جيني” التي رافقت والدها في رحلة عمله الى السودان والتقت “شعيبا”، الذي مابخل على والدها بتقديم المساعدات اللازمة له في مسيرة أعماله.وكانت علاقته “بجيني” علاقة سطحية قوامها الانجذاب الجنسي واعجابها برسومات وأشعار “معروف” ، ظل “معروف” طيلة تلك الفترة على اتصال بأخبار الثورة الجديدة في السودان الا أن تفاعله معها ظل ذهنيا فقط.
الافتقار الى تقديم المبررات:
ويواصل رئيس الجلسة في ابداء ملاحظاته حول افتقار نص الرواية لتقديم المبررات الكافية للقاريء، يقول: ثم يقرر “معروف” مغادرة نيجيريا الى لندن بمساعدة “جيني” دون تقديم مبررا كافيا لهذا الانتقال ناهيك عن تخلي “جيني” عنه بسهولة رغم أن الراوي لم يتوقف عن التغني بشغفهما ومحبتهما لبعضهما البعض وينطبق ذات السيناريو على قرار مغادرته لندن الى اسكتلندا.
ويشير الأستاذ عاطف في ختام ملاحظاته الى تداخل نص الكاتب مع نصوص وشخصيات وأفكار مأخوذة من روايتين شهيرتين هما موسم الهجرة للشمال للطيب صالح ورواية زوربا اليوناني لكاتبها نيكوس كازانتزاكيس، موضحا أن التعانق النصي مع هاتين الروايتين “التناص” لم ينجح في توليد معان جديدة أو في استدعاء معان أخرى ، مشيرا لقدرة الكاتب على رصد التحولات التاريخية الممتدة خلال 20 عاما 1969-1989م، وهي الفترة التي تمثل الفضاء الزماني للنص .
وتطرق رئيس الجلسة الى مشكلة النشر التي يعاني منها أغلب الكتاب الروائيين منوها الى خطورة أن تظل الأعمال الروائية حبيسة الأدراج مما يجعلها بعيدة عن أعين القراء المحفزة على الكتابة كما أنها تحول دون تطوير الأساليب الروائية للكاتب بحجبها للأعمال الأدبية عن أعين النقاد مستشهدا في ذلك برواية (أزمنة الترحال والعودة) التي بدأ الراوي الأستاذ الحسن محمد سعيد في كتابتها منذ الستينيات الا أنها لم تر النور الا في العام 2005م.
الابداع في الحوار والسرد:
أما الأستاذ أحمد مجذوب الشريفي المعقب الأول على ورقة رئيس اللجنة فأشار الى ابداع الكاتب في أسلوب الحوار و في أسلوب السرد ، باستخدام لغة بسيطة. والى سرعته في الانتقال بين شخوصه المتحاورين مما أعطى الرواية حركات وانفعالات أجبرت القاريء على المتابعة، الا أن التوسع في الجمل السردية جاء على حساب مواقف وأحداث كانت تتطلب مزيدا من التفاصيل.
واسترسل موضحا :ان أسلوب الكاتب في اجترار الماضي ونقل أحداث تاريخية بواقعيتها وفقا لمعايشتها ، جعله مكبلا بوقائع لم تمكنه من تطور أحداث الرواية الدرامية، فالكثير من الأحداث الدرامية صنعت فجأة، فأربك عنصر المفاجأة الكاتب ، مما قيده وجمد التصاعد الدرامي لأحداث الرواية، وأدى غياب التفاصيل الدقيقة واللغة الشاعرية ، الى التقليل من قيمة الرواية.
وأشار الشريفي : الى أن هناك نوع من القصد في كتابة أدب سياسي حديث ، له جذوره التاريخية القريبة أو البعيدة مادامت محاولات التعاطي مع شؤون الحكم قائمة في الرواية وكذلك في حالة تناول النص الأدبي لعلاقات الأمة من خلال مكوناتها الحزبية ومجموعات المجتمع المدني أو تناول علاقة الأمة بغيرها ، فالسياسة تتدفق الى العمل الأدبي بوجود نية مبيتة أو بدون وجودها.

تقنية الاسترجاع في الرواية:
وجاء التعقيب الثاني للدكتورة مواهب ابراهيم بعنوان : (بعض جماليات البناء السردي في رواية أزمنة الترحال والعودة) و أشارت فيه الى تقنية الاسترجاع في النص التي تعد من أبرز التقنيات المستخدمة في الرواية ،ودورها في منح بعض الشخصيات فرصة الحضور والاستمرارية في بنية السرد ، ومساعدتها على تقديم معلومات تخص شخصيات الرواية .
و يعكس التكثيف في استخدام صيغ التذكر- أسماءا وأفعالا – احترافية الكاتب في استخدام صيغ الاسترجاع في بنية سرده .ومن أمثلة ذلك ورود مفردات على شاكلة الذكرى، يتذكر ، يسترجع ، يجتر الذكريات ،…. في متن الرواية.

الشخصية أساس العمل الروائي:
وأشارت الى شخصيتين كانتا الأساس في العمل الروائي:
أولاهما شخصية شعيب : التي أفلح الكاتب في اختيار اسمه ليكون مماثلا تماما مع الصورة التي أرادها له ، فكانت شخصية عظيمة أخطبوطية متشعبة ممتدة عبر القارات والمدن “عطبرة، الخرطوم، لاجوس، أدنبرة، أم درمان في شوارع أبوروف”، مما كسر أفق توقع المتلقي الذي لا يمكن أن يتصور امكانية لقاء شعيب بهذه الصورة وفي كل هذه الأمكنة .
وتقف الدكتورة مواهب عند شخصية شعيب المثيرة للجدل ولعلامات الاستفهام ، اذ يحاول الكاتب أن يخلق من شعيب شخصية أسطورية يمجدها بكثير من المبالغة فهو المنقذ وهو النبي وهو الوطن ،خاصة لمعروف ، غير أن ظهوره كان في كثير من الأحيان من خلال الاسترجاع ولم تظهر له صدامات مع السلطة ولم يوجد صراع يجعله البطل المناضل أوالمنقذ العظيم.
أما الشخصية الثانية فهي شخصية معروف: وأراد الكاتب من خلال هذه الشخصية أن يسلط الضوء على السلطة واذلالها وقهرها وتشريدها لمواطنيها عبر المدن والمنافي . وبذلك استطاع أن يظهر هجاء ساخر للواقع السياسي وادانة للسلطة التي تحطم الأقلام كون الكتابة هي وسيلة المبدع للبوح والتغيير، وفي ذلك مؤشر لانعدام حقوق الانسان والحريات.

كما ألمحت المعقبة الثانية الى مواءمة عنوان الرواية للنص حيث يحيلنا العنوان مباشرة الى الرواية التي تحكي عن أزمنة وأمكنة مختلفة يرتحل اليها الفرد ويحلم بالعودة منها نتيجة لطغيان السلطات. مع ملاحظة أن تكرار العنوان في متن الرواية بنفس صيغته أو بجزء منه كان مكثفا.
وأشادت بتميز الرواية وتطور الخطاب السردي فيها من خلال تعدد الضمائر “غائب، متكلم، مخاطب” حيث يتغير نمط السرد تبعا لذلك. وأضافت : الروائي مجيد في كتابته السردية وفي لغته العربية، الا أن اعتماده على الوقفات الوصفية التي تشمل احيانا المكان والخواطر والتأملات أدى الى توقف السرد والى ابطاء وتيرة الرواية ، مما يجعلها ساكنة وجامدة .
وفي أعقاب ذلك أفسح مشرف الورشة الأستاذ محمد الخير حامد المجال للمداخلات وابداء الآراء ، مما أكسب الورشة الافتراضية نكهة خاصة بسبب تزاحم عدد لايستهان به من النقاد والروائيين والقراء على المشاركة فيها، .وأتيحت الفرصة للراوي الأستاذ الحسن محمد سعيد للتعليق على تلكم المداخلات

شارك معنا