عشية 30 يونيو:البرهان وشركاؤه يتحسسون اسلاكهم الشائكة

بقلم – عبد الله رزق أبو سيمازه

نص التعديل الاول للدستور الامريكي First Amendment،مع اشياء أخرى، على حق المواطنين في الاحتجاج السلمي على اعمال الحكومة، متى رأوا انها تتعارض مع مصالحهم. وقد أسس ذلك لـ”تمرد صغير” ،بدء من البنتاغون ، تفاجأ به الرئيس الامريكي، دونالد ترامب ، عندما كشف عن نواياه لاستخدام الجيش لقمع الاحتجاجات التي شهدتها امريكا ضد عنف الشرطة وضد العنصرية ، والتي تجاوزت الحدود الوطنية لامريكا، وتحولت الى حراك شعبي دولي. وبالاستناد لذلك النص الدستوري،عبر العديد من قادة الجيش الامريكي ، عن ” مخالفتهم” لتوجهات ساكن البيت الابيض، ووأكدوا انحيازهم للشعب ولما اسماه بعضهم بالعلاقة الصحية مع الشعب،مثلما اكدوا ولاءهم للدستور.من غير المنطقي قياس جدوى هذه الاحتجاجات، التي عمت فرنسا والمملكة المتحدة وبلجيكا، أيضاًـ بما قد توفره من الحليب والجاتوه، أو من المن والسلوى.فهي كممارسة شعبية ،وسيلة وغاية ،في حد ذاتها، في الوقت نفسه.
وقد اكد الدكتور عبدالله حمدوك رئيس الوزراء ، في رسالة وجهها للشعب عشية الاحتفاء بيوم 30 يونيو،مشروعية التظاهر والاحتجاج السلمي كحق دستوري ، مع مراعاة الضوابط الصحية ،غير أنه لم يرهن ممارسة هذا الحق بمردوده من الحليب والسلع الضرورية الاخرى، أو الخدمات، كما فعل المستشار الاعلامي ، لرئيس مجلس السيادة ، القائد العام، العميد د. الطاهر أبوهاجة، في مقال له ” حول مسيرة 30 يونيو”. لعل هنا يمكن التمايز بين رؤيتين متباينتين داخل السلطة الانتقالية ، والذي قد يفيد في تأشير بعض  اسباب بعض المشكلات والاخفاقات التي ترافق الأداء الرسمي.
لا يعكس الاحتفاء بيوم 30 يونيو،يوم الثلاثاء المقبل ، استدعاء لذكرى ماضية ، وان كان ذلك وارداً، بشكل من الأشكال، وانما هو فعل ثوري وديموقراطي  يتجدد ، وقد يَسِم العقد الحالي كله، كصيغة من صيغ الحياة، أوالتعبير الجماعي عن عنفوانها، أو كطريقة او اسلوب للحياة نفسها،  بما هي ثورة دائمة ومتجددة.
ربما كان- بديهياً -ان تغيم رؤية البعض، ممن اختاروا الخندق المقابل، للحدث ، الذي يعيد انتاج ذاته في مقبل الايام، في شكل جديد، وظرف مختلف، ولمغزاه . العميد أبوهاجة اختار أن ينظر للحدث من موقع متعال، ظن أنه فوق فسيفساء الجماعات المختلفة ، التي رصدها تتصارع وتتنافس في الخروج للشارع في 30 يونيو المقبل، ماحياً الخيط الرفيع الذي يفصل بين قوى ثورة ديسبمر، من ناحية ، وقوى النظام المباد، من الناحية الاخرى،وما يترتب على ذلك  من مواقف او التزامات سياسية.
. كتب النقيب حامد عثمان ( الجامد)، في ذكري مجزرة 3 يونيو، :”ان هذا العار قامت به  القيادة ، لكنه سيلاحق  جميع منسوبي الجيش”.ومع ذلك ، فقد اوجد هذا العار هوة واسعة ، بين الشعب والجيش.ويمكن ، في هذا السياق ، ملاحظة ، توجيه منظمي تحشدات ومواكب 30 يونيو، لجماهيرهم ، ضمن محددات اخرى، بعدم الاقتراب من المناطق العسكرية،أسوة بالتباعد الاجتماعي الذي اوصت به لجنة الاطباء المركزية.ربما يعود ذلك، الى جانب اسباب اخرى، الى خلاصة تجارب سابقة، ابدت فيها القيادة العسكرية حساسية مفرطة تجاه التظاهرات واحتمالات الاعتصام،وظلت تتحسس اسلاكها الشائكة كلما اختلج خاطر تظاهرة او التمعت ذكرى اعتصام، وتسارع باغلاق الشوارع والطرق المؤدية للقيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم.
من هذه الاسلاك الشائكة، الهادفة الي تعميق التباعد الاجتماعي والسياسي والفكري مع شارع ثورة ديسمبر المجيدة ، ماكتبه المستشار الاعلامي لرئيس مجلس السيادة ،القائد العام للقوات المسلحة عشية 30 يونيو، وهو يعكس ، بصورة او اخرى، طبيعة تفكير القيادة العسكرية، من لدن اللجنة الامنية وحتى المجلس العسكري الانتقالي السابق ، تجاه الموقف من الديموقراطية ، وقضاياها، وتجاه العلاقة مع الشعب ، وحراكه الثوري، وآفاقه. لايكتفي المقال- مبدئيا-بالتشكيك في جدوى التظاهرات ، التي لاتوفر حليباً ولا رغيفاً، على حد قول كاتبه،حسب ، ولا يتواني- أيضاً- عن التعبير عن تبرمه وتطيره منها” هرمنا من هذه  المسيرات التي لاتمطر خبزاً ولا حليباً ولا دواء”، حسب ، وانما يقرنها، قسراً، ودون دليل أكيد، بالتفلتات الأمنية .وهي مقدمة لابد منها، ليخلص الى اعلاء شأن الأمن على الحرية ، واجازة التضحية بالحرية ، حرية وحق التظاهر والاحتجاج السلميين، وغيرهما من الحريات والحقوق الديموقراطية ، باسم الأمن، والذي طالما اختزل- مفاهيمياً- في أمن النظام، بدلا من  أمن الوطن والمواطن،ووظيفياً، في حماية مؤسسة الفساد والاستبداد السياسي والديني.
يخلص الكاتب في غير مواربة الى الكشف عن معتقده السياسي بالقول:” الحرية حق وقيمة انسانية ، لكن الأمن أغلى وأثمن. دعونا من المسيرات…الخ”، وهو ماقد يعادل ، في التطبيق، نسخة أخرى من نظام الانقاذ المباد.
في أطار فرضية تلازم الحرية بالفوضي، ذائعة الصيت  ضمن  معتقدات الانظمة التسلطية وأدبها السياسي،يقرر الكاتب ، بدم بارد:أن ( الحديث عن عناصر مندسة ومخربين وسط الصفوف وحالمين بخلق القلاقل) يصبح( وارد جداً وبشدة)، لكنه لم يسأل نفسه : لماذا يصبح وارداً في ظل وجود كل القوات النظامية وشبه النظامية التي يحتشد بها السودان. ومثلما يتجاهل السؤال،  يتغاضى، أيضاً،  عما يحتمه  مثل هذا الاحتمال من واجبات  على الاجهزة الامنية،  في الحيلولة دون (حدوث اي فوضى او انفلات)…وان لايتسنى لتوقعاته ان تتحقق  بأن  ( كل جهة سترمي اللوم على الاخرى)..!
يلاحظ أن كاتب المقال ، قد لجأ، في سبيل تعزيز فرضيته،إلى استعارة قاموس النظام المباد وكامل مزاعمه ، عن “عناصر مندسة” و”مؤامرات تخريبية” ،حتى بدا وكأنه ، ينتحل لسان الفريق  صلاح قوش، المدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات، الذي تحدث اثناء ثورة ديسمبر عن “عناصر مندسة ومخربة دربتها اسرائيل” ، وعن “فتاة شيوعية تحمل بندقية مورس في شنطتها اطلقت منها النار على طبيب في بري..الخ”. بمقدور كاتب المقال،وهذا  هو المتوقع منه، ومن موقعه كأحد مستشاري رئيس مجلس السيادة القائد العام ، الذي تتوفر له تقارير المخابرات العامة والمباحث والتحقيقات الجنائية والاستخبارات العسكرية والشرطة الامنية وغيرها  ، أن يسمي الأشياء باسمائها. ليس ذلك ، فحسب ، وانما ينتظر منه ، بحكم موقعه السياسي من مركز صناعة القرار أن يوصى لرئيسه باتخاذ الاجراءات المناسبة حيال المندسين ومن يخططون للقيام بأعمال تخريبية،وفق ماتوفر له من معلومات، حماية للحريات العامة ، وليس  عليه الانتظار السلبي، أو تمني وقوع” ما لايحمد عقباه”،ليدعم موقفه المعادي للديموقراطية وللحكم المدني ،والذي يجعله يتعمد تجاهل الخط الفاصل بين خندقين، خندق الثورة الذي يعلي مبدأ السلمية ، منذ أكثر من عام، وخندق قوى الثورة المضادة، الذي يتغني باراقة الدماء….” كل الدماء”.وانه ليس ثمة منطقة وسطى متوهمة ، يمكن أن يقف فيها أدعياء الحياد، في الصراع المحتدم على السلطة ،منذ 11 أبريل، والي الآن.
في واقع الامر ، ليس هناك مندسون، غير أولئك الملثمين، ذوى الأزياء  العسكرية المُمَوَّهة ، وهم على متن سياراتهم التي  تخلو من اللوحات ،والذين كانوا يقنصون المتظاهرين السلميين، خاصة اثناء انتفاضة سبتمبر 2013 وثورة ديسمبر 2019. وكانت مجزرة 3يونيو-29 رمضان ذروة مآثرهم الدموية، وخلاصة عقيدة سمو قيمة الأمن – أمن النظام- على قيمة الحرية ، حرية الشعب، في الاعتصام السلمي.وكان بجانبهم ،هناك، أيضاً، مما هو معلوم بالضرورة، للمسؤولين الأمنيين: كتائب الظل ، والأمن الشعبي والأمن الطلابي، والدفاع الشعبي،والنيقرز…الخ
وفي الواقع ، ان هناك “غتغتة ودسديس” منهجيين ، لا مندسين ولا خلافهم، وهما يشكلان اكبر ثغرة في أداء الجهات المعنية بانفاذ القانون ،طوال العام الماضي.أن مواكب 30 يونيو ، في بعض جوانبها، هي احتجاج على استمرار هذه الثغرة، التي ينفذ منها اعداء الثورة، لعرقلة مسيرتها نحو تحقيق اهدافها.
خلافاً لثنائية الأمن- الحرية، التي دارحول محورها مقال المستشار، اكدت هيومان رايتس ووتش، في رسالة للمشاركين في مؤتمر برلين لدعم السودان، تشدد فيها على أولوية العدالة كشرط مقدم على دعم السودن اقتصاديا. وتتصدر العدالة, كحق وقيمة انسانية،أيضاً، قائمة المطالب المتجددة التي ستهتف بها مواكب 30 يونيو.يعتقد الكثيرون، ممن ستستقطبهم المواكب ، ان الثورة قد اختطفت.لكن يبدو ان الثورة، من منظور آخر ،ان الثورة مرتهنة،اكثر منها مختطفة. مرتهنة لدى العسكريين المتورطين، فيما اسماه النقيب حامد الجامد  “العارالذي قامت به القيادة” في 3 يونيو، والذين يجدون ان خلاصهم ، وافلاتهم من العدالة يعتمد كلياً على استمرارهم في البقاء في الحكم،بعد الانفراد به، وتقويض السلطة الانتقالية من داخلها.

 

شارك معنا